محمد الريشهري
2086
ميزان الحكمة
عن مالك واختلف إليه كما كنت تختلف إليه . فاغتممت من ذلك ، وخرجت من عنده وقلت في نفسي : لو تفرس في خيرا لما زجرني عن الاختلاف إليه والأخذ عنه ، فدخلت مسجد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وسلمت عليه ، ثم رجعت من الغد إلى الروضة وصليت فيها ركعتين ، وقلت : أسألك يا الله يا الله أن تعطف علي قلب جعفر وترزقني من علمه ما أهتدي به إلى صراطك المستقيم ، ورجعت إلى داري مغتما ولم أختلف إلى مالك بن أنس لما اشرب قلبي من حب جعفر ، فما خرجت من داري إلا إلى الصلاة المكتوبة حتى عيل صبري ، فلما ضاق صدري تنعلت وترديت وقصدت جعفرا وكان بعد ما صليت العصر ، فلما حضرت باب داره استأذنت عليه فخرج خادم له فقال : ما حاجتك ؟ فقلت : السلام على الشريف ، فقال : هو قائم في مصلاه ، فجلست بحذاء بابه ، فما لبثت إلا يسيرا إذ خرج خادم فقال : ادخل على بركة الله ، فدخلت وسلمت عليه ، فرد السلام وقال : اجلس غفر الله لك ، فجلست ، فأطرق مليا ثم رفع رأسه ، وقال : أبو من ؟ قلت : أبو عبد الله ، قال : ثبت الله كنيتك ووفقك ، يا أبا عبد الله ما مسألتك ؟ فقلت في نفسي : لو لم يكن لي من زيارته والتسليم غير هذا الدعاء لكان كثيرا ، ثم رفع رأسه ثم قال : ما مسألتك ؟ فقلت : سألت الله أن يعطف قلبك علي ويرزقني من علمك ، وأرجو أن الله تعالى أجابني في الشريف ما سألته ، فقال : يا أبا عبد الله ليس العلم بالتعلم ، إنما هو نور يقع في قلب من يريد الله تبارك وتعالى أن يهديه ، فإن أردت العلم فاطلب أولا في نفسك حقيقة العبودية ، واطلب العلم باستعماله ، واستفهم الله يفهمك ، قلت : يا شريف ، فقال : قل : يا أبا عبد الله ، قلت : يا أبا عبد الله ما حقيقة العبودية ؟ قال : ثلاثة أشياء : أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوله الله ملكا ، لأن العبيد لا يكون لهم ملك ، يرون المال مال الله يضعونه حيث أمرهم الله به ، ولا يدبر العبد لنفسه تدبيرا ، وجملة اشتغاله فيما أمره تعالى به ونهاه عنه ، فإذا لم ير العبد لنفسه فيما خوله الله تعالى ملكا هان عليه الإنفاق فيما أمره الله تعالى أن ينفق فيه ، وإذا فوض العبد تدبير نفسه على مدبره هان عليه مصائب الدنيا ، وإذا اشتغل العبد بما أمره الله تعالى ونهاه لا يتفرغ منهما إلى المراء والمباهاة مع الناس ، فإذا أكرم الله العبد بهذه الثلاثة هان عليه الدنيا وإبليس والخلق ، ولا يطلب الدنيا تكاثرا وتفاخرا ، ولا يطلب ما عند الناس عزا وعلوا ، ولا يدع أيامه باطلا ، فهذا أول درجة التقى ، قال الله تبارك وتعالى : * ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ) * . قلت : يا أبا عبد الله أوصني ، قال : أوصيك بتسعة أشياء فإنها وصيتي لمريدي الطريق إلى الله تعالى ، والله أسأل أن يوفقك لاستعماله ، ثلاثة منها في رياضة النفس ( 1 ) ، وثلاثة منها في الحلم ، وثلاثة منها في العلم ، فاحفظها وإياك والتهاون بها ، قال عنوان : ففرغت قلبي له . فقال : أما اللواتي في الرياضة : فإياك أن
--> ( 1 ) الرياضة : تهذيب الأخلاق النفسية .